من «جبهة النصرة» لـ«فتح الشام»: آمال الوحدة ومحلية الثورة

أعلنت «جبهة النصرة» بقيادة أبي محمد الجولاني إيقاف العمل باسم الجبهة وتشكيل فصيل جديد تحت اسم «جبهة فتح الشام»، وجاء هذا الإعلان بعد تسجيل صوتي نسب لنائب زعيم تنظيم القاعدة أحمد أبو الخير الذي أعطى الضوء الأخضر للجبهة المبايعة للقاعدة باتخاذ قرار الانفصال وتشكيل فصيل جديد.

سارعت الأمم المتحدة وبعض القوى الدولية للإعلان أن لا شيء سيتغير تجاه «فتح الشام» أو ما كانت تسمى «جبهة النصرة»، وإن فكت ارتباطها بتنظيم القاعدة؛ مما يعني أن النظام الدولي سيستمر في وضع التنظيم على لوائح «الإرهاب» الدولية.

وبما أن «فتح الشام» –جبهة النصرة سابقًا- تُعد من أبرز القوى الثورية المسلحة ومركب أساسي من الثورة السورية -كون «النصرة» انطلقت مع بدايات الثورة السورية ونفذت عمليات نوعية ضد نظام بشار الأسد والميليشيات المساندة له- فوجودها على «لوائح الإرهاب» يشكل «خطرًا» على القوى الثورية السورية الأخرى من النظام الدولي والقوى الإقليمية المتدخلة في سورية كالتحالف الدولي وإيران وروسيا. الترحيب من قبل قيادات ثورية سورية بفك ارتباط الجبهة بالقاعدة يؤكد على أن الفصائل الثورية تسعى للمحافظة على محلية الثورة السورية بعيدًا عن النزاعات الدولية وبعيدًا عن اسم القاعدة المربك بالنسبة للدول الغربية.

وجود «فتح الشام» ضمن تحالفات ثورية مع قوى ثورية كبيرة لها حاضنة شعبية ضخمة كالجيش الحر وأحرار الشام يشكل إرباكًا في العلاقة ما بين الثورة السورية والنظام الدولي من ناحية الدعم والنظر للثورة السورية، ويعزز علاقة العالم الغربي مع نظام بشار الأسد ويعزز موقفه، فتواجد «منظمات إرهابية» ضمن قوى الثورة الأصيلة يقف حاجزًا عن أي دعم سياسي أو عسكري لهذه الثورة مما يساعد في تثبيت النظام السوري القمعي.

وطبعًا هذا لا يعني أن الدول الغربية المتدخلة في سورية ستقوم بدعم الثورة لإزالة نظام بشار الأسد بحال أن القوى الثورية لا يوجد من ضمنها «منظمات إرهابية». وجود هذه المنظمات مجرد مسوّغ غربي للوقوف على مسافة بعيدة من الثورة، وهذا لا يعني أيضًا أن النظام العالمي والقوى الدولية تريد بقاء نظام بشار الأسد في الحكم، فوجوده حاليًا بالنسبة لهم هو «الأسلم» والأقل ضررًا على مصالح القوى العظمى في المنطقة، رغم أن وجوده والتعامل معه يكشف الوجه الدكتاتوري والديموقراطية الزائفة ذات الوجوه المتعددة للأنظمة الغربية.

إذن ماذا تغيّر بتغيير الاسم وفك الارتباط عن تنظيم القاعدة؟، وما مستقبل «فتح الشام» ضمن قوى الثورة السورية؟، هل ستشهد «فتح الشام» تحولات على المستوى الفكري والحركي؟.

فك الارتباط بتنظيم القاعدة وتغيير الاسم من «جبهة النصرة» لـ«فتح الشام» يعني أن قيادة الجبهة تريد الاندماج بالثورة السورية بشكل أكبر وتحاول إزالة أي خطر على الثورة والقوى الأساسية فيها عبر الابتعاد عن المواجهة المباشرة مع النظام الدولي والتي فعليًا لا تفيد الجبهة أو حتى الثورة السورية؛ مما ينبه إلى بوادر تطور فكري ونضوج سياسي في المدرسة السلفية الجهادية وخطابها الذي لطالما كان هجوميًا دون الاكتراث لأي عواقب من الممكن أن تصيب «الأمة».

ويمكن استنتاج ذلك بعد خطاب أبو الخير المصري الذي شدّد على أن «المرحلة الحالية شهدت انتشار الجهاد وانتقاله من مفهوم جهاد نخبة إلى جهاد أمة، وهو ما يعني أنه لا ينبغي أن يقاد بعقلية الجماعة والتنظيم، بل يجب أن تكون التنظيمات عامل حشد لا تفريق»، وفق قوله، وهذا يشير إلى أن المدرسة السلفية الجهادية تمر بمرحلة تحوّل على المستويين الفكري والحركي.

اعتاد المتابع للتنظيمات التي تنتسب للمدرسة السلفية الجهادية بسماع خطاب إقصائي لا يعترف بالغير ولا يقبل الشراكة مع من يخالفه في أصوله وحتى أحيانًا في فروع فهمه للدين، ويبشر هذا التحول –إن صح تسميته كذلك وإن كان فعلاً كذلك- بتسجيل نقاط ضخمة لصالح التأسيس لوحدة بين القوى الثورية السورية لتنتج شراكة بين الفصائل الأهم في الثورة بالإضافة للحفاظ على ولاء القوى الثورية للثورة والشعب السوري أولًا دون تدخلات خارجية أو تبعات لتنظيمات أو دول تؤثر على الجهود المبذولة في الثورة وعلى القرارات التي تتخذ؛ مما يعزز فرصة الانتصار لمطالب الإنسان السوري وتحقيق رغباته الطبيعية في التحرر من الظلم والاستبداد واستعادة الحرية المسلوبة.

إلغاء العمل باسم «جبهة النصرة» وتشكيل فصيل جديد تحت اسم جبهة «فتح الشام» دون أي ولاء خارجي خطوة جريئة من قبل تنظيم ينتمي للمدرسة السلفية الجهادية، وخاصة أنه جاء بعد ضوء أخضر من التنظيم الأم مما يبشر ربما بتحولات في هذه المدرسة كما أسلفت. الثورة السورية والقوى الثورية كسبت لصالح الوحدة الثورية حليفًا جديدًا له وزنه وشعبيته في الساحة السورية –رغم وجوده سابقًا- إلا أنه يمتاز هذه المرة بالطابع المحلي.

الأيام المقبلة للتنظيم تخفي الكثير، وهناك عشرات الأسئلة التي لا أجوبة لها بعد حول التنظيم ومناهجه القتالية والتربوية والفكرية وطريقة تعامله مع أبنائه الآن وخاصة بعد الانفصال عن التنظيم الأم!، والسؤال الأهم والذي يبقى مفتوحًا لتجيب عليه ممارسة جبهة «فتح الشام» في الساحة السورية: هل تلتزم الجبهة في المحافظة على قرارها وعلى كيانها، ثم التوحد مع القوى الثورية السورية لتستثمر وتكثف الجهود لصالح الثورة السورية؟!.

نشر في 03 أغسطس 2016 في موقع إضاءات

أضف تعليقاً