الحرية .. صنم الجاهلية المعاصرة

لكل جاهلية صنم يعبد من دون الله عز وجل وعادات تخالف الفطرة البشرية وتحاربها وأدوات تشن الهجوم على كل معارض لهذه الجاهلية.

كان صنم الجاهلية الأولى المادة، وكان من العادات التي تخالف فطرة الناس التي فطرهم الله عليها وأد البنات، وكانت القبلية وقوة الساعد والسيف هي أداة الهجوم على كل مخالف!

أكثر من 1400 سنة مضت على تلك الجاهلية العربية الأولى التي قضى عليها الإسلام وحاربها بقوة، 1400 سنة مضت على تحول ذلك المجتمع الجاهلي المتخلف المختل في كل ما فيه إلى مجتمع حضاري إنساني إسلامي قابل للتطور يحقق الغاية من الوجود على أرض الله سبحانه وتعالى.

لكن ها هي الجاهلية تعود بعد آلاف السنوات بنكهة معاصرة تناسب متطلبات القرن المعاصرة، تعود الجاهلية ساترةً عورة تخلفها وشذوذها واختلالها وانحلالها بلباس الحضارة والتطور والحداثة، تعود جاهلية معاصرة متطورة حديثة تشبع رغبات وغرائز كل من تتوق نفسه الى الذل والعيش تحت مظلة العبودية!

معلوم أن حياة الإنسان تتطور يومًا بعد يوم وفق السنن الإلهية والكونية التي سخرها الله عز وجل، ومن الطبيعي أن يطور هذا الإنسان الأدوات التي تناسبه وتلبي احتياجاته مع كل مرحلة وفترة زمنية ليستطيع العيش بما يناسب واقعه وحياته، لكن لم أكن أتخيل أن يطور هذا الإنسان مظاهر العبودية والذل التي تنزع حريته، وأشكال الجاهلية وأدواتها التي تجرده من إنسانيته لتناسب شذوذ عصره واختلال واقعه واضطراب أفكاره ومفاهيمه وقيمه وانحلال أخلاقه!

لم يكن بمقدوري التخيل أنه يمكن للإنسان أن ينزع ثوب الإنسانية والحرية ويلبس ثوب الحيوانية والعبودية! لكن بعد هذه الجاهلية المعاصرة التي نعيشها بات الأمر في غاية السهولة.

يمكن لأي شخص اليوم أن يصبح جاهليًا معاصرًا، كل ما عليه فعله هو التعامل مع الحرية وكأنها إله معبود من دون الله وأن يستخدم الوسائل الحديثة المتطورة كالشبكات الاجتماعية والإعلام ليبث قاذورات جاهليته المعاصرة ولوثتها، لكن يبقى هذا الجاهلي المعاصر مراهقًا في جاهليته حتى يحارب الفطرة الإنسانية السليمة ويحاول بث الأفكار التي تخالفها، ولا تكتمل جاهليته المعاصرة ولا ينزع عنه لقب (الجاهلي المراهق) حتى يدعو الناس لجاهليته ويقنعهم بها…

أعتقد أنه من الظلم للإنسان والإنسانية أن يُطلق على هذه الفئة البشرية التي تتوق نفسها لمظاهر الجاهلية وصف (إنسان) فبالطبع هم لا يستحقونه، لأن قيمهم وأخلاقهم وجاهليتهم تخالف كل ما جاءت به الإنسانية وفطرتها السليمة! هذه حيوانية بشرية وهؤلاء حيوانات بشرية متجردون من كل قيمة إنسانية!

باتت الحرية اليوم في مفهومهم صنم هذه الجاهلية المعاصرة، صنم يعبد من دون الله عز وجل! صنم وشماعة يعلق عليها كل مخالفة إنسانية وشذوذ فطري واختلال قيمي وانحلال أخلاقي، لكنه ليس كأصنام الجاهلية الأولى، ليس كالأصنام المادية المحسوسة التي يُسجد لها وتُقدس ويُقدم لها القرابين!

فالحرية في تعريفها الجاهلي الجديد هي (صنم يعبد وقت الحاجة ويأكل عند الحاجة)، تمامًا كعشرات القضايا والملفات التي تشغل واقعنا المعاصر!

كل هذا لا ينفي أن الحرية مطلب إنساني أساسي فطري يحتاجه كل إنسان في طبيعته ليعيش كما يجب على هذه الأرض وليبلغ رسالته ويترك بصمته فيها، وهنا أقصد الحرية الفطرية في مفهومها الطبيعي وليست الحرية الفوضوية في مفهومها الحيواني!

مع الأسف، بعض الكائنات البشرية مهما ارتقت وتطورت ونمت في الجانب المادي إلا أنها تبقى متخلفةً في الجانب الإنساني، ولا بد لهذه الكائنات أن تشبع روحها وأن تقتل الجاهلية في داخلها لتحسب بعد ذلك على الإنسانية.

نشر في 16 يوليو,2015 على ساسة بوست

من أنا؟

أحمد سليط

كاتب وباحث

أضف تعليقاً